في مثل هذا الوقت من كل عام، يبدأ مزارعو الزيتون في فلسطين موسم الحصاد، لكن الحرب الإسرائيلية على غزة حوّلت الموسم إلى خسارة جديدة للمزارعين، بعدما طالت عمليات التجريف مساحات واسعة من المزارع، وسيطر الاحتلال على أراضٍ تقع فيها وضمها إلى المنطقة الواقعة خلف «الخط الأصفر». وفي الضفة الغربية، يواجه المزارعون هجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، ما يدفع كثيرين إلى القطاف المبكر خوفًا على محاصيلهم.
وبينما تمتد الخسائر في غزة إلى الأشجار والمعاصر والمنظومة الاقتصادية، تتجاوز الاعتداءات في الضفة إتلاف المحاصيل إلى تقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم. ويرى مزارعون وخبراء تحدثوا لـ«مدى مصر» أن استهداف الزيتون لا يقتصر على حرمانهم من مصدر رزق أساسي، بل يطال شجرة تحمل مكانة رمزية في الهوية الفلسطينية، وتجسد التمسك بالأرض والصمود فيها، في سياق يهدف إلى فصل الفلسطينيين عن أراضيهم وإحلال البؤر الاستيطانية والمزارع مكانهم.
قُتل 32 فلسطينيًا، من بينهم 11 طفلًا، وأُصيب 147 آخرون جراء إطلاق قوات الاحتلال النار وقصفها خلال الأسبوع الماضي، حسبما أفادت بيانات وزارتي الصحة والتربية والتعليم في غزة. وفي الوقت نفسه، أحرقت قوات الاحتلال مخيمًا للنازحين قرب مفترق الشجاعية شرقي غزة، ما أدى إلى تشريد أكثر من 200 عائلة فلسطينية، وفقًا لبيان المكتب الإعلامي الحكومي.
أما في الضفة الغربية، فتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي، لليوم الرابع على التوالي، عدوانها على محافظة الخليل، الذي بدأ يوم الجمعة الماضي عقب عملية نفذها فلسطينيان عند مفرق «يهودا»، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين. ومنذ ذلك الحين، هجّرت قوات الاحتلال 488 عائلة فلسطينية، وأجبرت نحو 3171 مواطنًا على مغادرة منازلهم قسرًا، ولا سيما في منطقتي «دير بحة» و«الجلدة»، فيما تحاصر مئات المواطنين داخل منازلهم في الأحياء المجاورة وتمنعهم من الخروج، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».
زيتون غزة تحت جرافات الاحتلال.. حرب على الهوية والصمود
أول ما فعله الاحتلال الإسرائيلي حين توغل بريًا في قطاع غزة، قبل ثلاث سنوات، أن قام بتجريف مزارع الزيتون، حينها خسر أبو يونس الأسطل مزرعته الواقعة في منطقة القرارة شرقي مدينة خان يونس، وبعد اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر الماضي ظن الأسطل أنه سوف يتمكن من إعادة إحياء مزرعته، ولكن قيام الاحتلال بإنشاء «الخط الأصفر» الذي قسّم القطاع إلى نصفين، حال دون ذلك، بعدما ابتلع المنطقة التي تقع فيها المزرعه بالكامل.
يصف الأسطل لـ«مدى مصر» شعوره حين علم بتجريف المزرعة في بداية الحرب « شعرت وكأنني فقدت أحد أبنائي»، و يؤكد أن الخسارة المادية الناجمة عن تجريف أشجار الزيتون المعمرة «لاتساوي شيئًا أمام خسارته المعنوية المتمثلة في ارتباطه بأرضه وأشجار الزيتون التي ورثها عن أجداده ونشأ معها طوال حياته».
في مثل هذا الوقت من كل عام، يبدأ مزارعو الزيتون في فلسطين موسم الحصاد. لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حوّلت الموسم إلى خسارة جديدة للمزارعين، بعدما طالت عمليات التجريف أشجار الزيتون التي تمثل مصدر دخل أساسيًا لكثير من العائلات، فضلًا عن مكانتها الرمزية لدى الفلسطينيين بوصفها علامة على التمسك بالأرض والصمود فيها.
وفقد قطاع غزة 90% من الأراضي المزروعة بالزيتون خلال السنوات الثلاث التالية لاندلاع الحرب، فيما انخفضت كميات إنتاج الزيتون بأكثر من 85%، بحسب ما قال لـ«مدى مصر» مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة بغزة، لؤي رجب.
قبل الحرب، كانت مزرعة الأسطل تنتج سنويًا ما بين أربعة وستة أطنان من الزيتون، لكن هذه الكميات أصبحت من الماضي. ويرى الأسطل أن تعمد الجيش الإسرائيلي تجريف أشجار الزيتون في غزة يستهدف كسر صمود الفلسطينيين، بالنظر إلى ما تمثله الشجرة من رمزية خاصة لدى أهل القطاع، باعتبارها عنوانًا للتمسك بالأرض والقدرة على البقاء فيها.
وبخلاف أهمية الزراعة بوصفها أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الفلسطيني، تحمل شجرة الزيتون قيمة تاريخية ورمزية خاصة لدى الفلسطينيين. ويقول محمد موسى، عضو الأمانة العامة لاتحاد الفلاحين في قطاع غزة، لـ«مدى مصر»، إن ارتباط الفلسطينيين بالشجرة يمتد إلى «أجداد الأجداد»، مشيرًا إلى أن عمر بعض أشجار الزيتون المعمرة في القطاع قد يصل إلى مئات السنين.
ويرى موسى أن تركيز الاحتلال على تجريف مزارع الزيتون يعود إلى إدراكه أهمية الشجرة وثمارها لدى المزارع والمواطن الفلسطيني. ويضيف أن تعويض الأشجار التي دُمرت يمثل تحديًا كبيرًا، إذ تحتاج أشجار الزيتون إلى سنوات عدة قبل أن تبدأ في الإثمار، فضلًا عن الجهد والموارد اللازمة لإعادة زراعتها ورعايتها.
وفيما يتعلق بالمساحات الزراعية المتبقية في القطاع، أشار موسى إلى أن أحدث تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أفاد بأن المساحات الزراعية المتبقية لا تتجاوز 3% من إجمالي المساحة الزراعية قبل الحرب.
كانت مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في قطاع غزة تبلغ نحو 50 ألف دونم قبل الحرب، لكنها تراجعت إلى 5 آلاف دونم فقط، وفقًا للؤي رجب، مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة بغزة. وتكتسب هذه الخسارة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الزيتون كان يشكل نحو 30% من مساحة الإنتاج النباتي في القطاع.
ويشير رجب إلى أن عدد أشجار الزيتون في غزة انخفض من نحو مليوني شجرة قبل الحرب إلى 150 ألف شجرة حاليًا، في تراجع يعكس حجم الدمار الذي أصاب القطاع الزراعي، ويطرح تحديات تمتد إلى السنوات المقبلة، بالنظر إلى الوقت الذي تحتاجه الأشجار للوصول إلى مرحلة الإنتاج.
ويضيف أن القطاع كان ينتج نحو 40 ألف طن من ثمار الزيتون سنويًا، منها 35 ألف طن مخصصة للعصر، لكن الإنتاج تراجع إلى نحو 5 آلاف طن فقط، يذهب معظمها إلى العصر. كما انخفض إنتاج زيت الزيتون من نحو 5 آلاف طن إلى 700 طن حاليًا.
ولفت رجب إلى أن الإنتاج المحلي من ثمار الزيتون وزيته كان يحقق الاكتفاء الذاتي في غزة، لكنه بات لا يلبي سوى نحو 15% من احتياجات السوق. وأكد أن الزيتون لم يكن مجرد محصول موسمي، بل أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد الزراعي المحلي، إذ تقوم عليه منظومة اقتصادية متكاملة تشمل المزارعين والعمال والمعاصر ومصانع التخليل والتصنيع، وصولًا إلى التسويق والتصدير.
ولا تقتصر خسائر قطاع الزيتون على المزارعين والأراضي المزروعة، بل تمتد إلى المنظومة الاقتصادية بأكملها. ويوضح رجب أن تدمير الأشجار وتراجع المساحات المزروعة دفعا هذه المنظومة إلى حافة الانهيار، إذ انخفض عدد معاصر الزيتون من نحو 40 معصرة قبل الحرب إلى سبع معاصر حاليًا، وتراجع عدد خطوط العصر من 68 إلى 15 خطًا، فيما هبطت القدرة التشغيلية من 150 طنًا في الساعة إلى 25 طنًا فقط.
وامتد التراجع إلى قطاع تخليل الزيتون، إذ انخفض عدد المصانع من 14 إلى ثلاثة مصانع، وتراجع الإنتاج من 1500 طن إلى 200 طن.وبحسب رجب، انخفض كذلك عدد المزارعين العاملين في زراعة الزيتون من نحو 20 ألفًا إلى ألف مزارع فقط، فيما تراجع عدد العاملين في مجال التصنيع من 3 آلاف إلى نحو 200 عامل.
ولفت رجب إلى الارتفاع الحاد في أسعار زيت الزيتون، مشيرًا إلى أن سعر «تنكة الزيت 16 كيلو»، الذي كان يبلغ في المتوسط نحو 500 شيكل، تجاوز حاليًا 1500 شيكل، في انعكاس لاختلال القدرة الإنتاجية المحلية وتراجع المعروض في السوق.
ويكافح نصر أبو عودة لإنقاذ تجارته في زيت الزيتون والتي طالتها خسائر فادحة، بعدما دمر الاحتلال معصرته الرئيسية في شمال غزة، إلى جانب عدد من المعاصر الأصغر في مناطق متفرقة من القطاع. ولم يتبقَّ له سوى معصرة واحدة في منطقة الزوايدة وسط القطاع، تواجه بدورها تراجعًا حادًا في كميات الزيتون الواردة إليها، بسبب انخفاض الإنتاج الزراعي ونقص مستلزمات العمل.
وقال أبو عودة لـ«مدى مصر» إن المعاصر المتبقية تواجه أزمات عدة، أبرزها عدم توافر قطع الغيار اللازمة لصيانة خطوط العصر، ونقص المعدات، وصعوبة توفير الزيوت والوقود والمواد الضرورية لتشغيل الآلات وصيانتها. وأضاف أن ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة يجعل استمرار عمل المعاصر بصورة منتظمة أكثر صعوبة.
ويواجه زاهر كشكو، صاحب معصرة زيتون في حي الزيتون، خسارة مضاعفة، إذ لم يكتفِ الاحتلال بتدمير المعصرة، بل سيطر على الأرض المقامة عليها وضمها إلى المنطقة الواقعة خلف «الخط الأصفر»، ليخسر كشكو مصدر رزقه، إلى جانب عشرات العمال الذين كانوا يعملون معه.
ويقول كشكو لـ«مدى مصر» إن معصرته كانت من الأماكن التاريخية في القطاع، حيث توارثتها العائلة على مدار عقود. ورغم إدخال معدات حديثة إليها، حافظت المعصرة على طريقتها التقليدية في عصر الزيتون باستخدام الحجر، بما كان يسهم في الحفاظ على جودة زيت الزيتون المنتج فيها.
وبحسب كشكو، بلغت الطاقة الإنتاجية للمعصرة نحو 50 طنًا من الزيتون يوميًا، وكانت تنتج قرابة خمسة آلاف تنكة من الزيت، فضلًا عن توفير فرص عمل لعشرات العمال. أما اليوم، فقد أضحت أثرًا بعد عين.
«مقابل كل قطرة زيت سالت قطرات دم».. زيتون الضفة تحت حصار المستوطنين

آثار هجوم مستوطنين على مزرعة زيتون في إحدى قرى رام الله، 28 سبتمبر. المصدر: الوكالة الإخبارية الفلسطينية «أرض نيوز»
في قرية أبو فلاح، شمالي شرق مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية، تحوّل موسم قطاف الزيتون من «عرس وطني»، إلى سباق مع المستوطنين الإسرائيليين للحفاظ على ما تبقى من مراسم موسم القطاف، بعدما تصاعدت الاعتداءات ضد الأهالي والأراضي الزراعية، من قبل الاحتلال ومستوطنيه بهدف السطو على المحاصيل أو تدمير الأشجار المعمّرة، وسط إطلاق الرصاص وقنابل الغاز والضرب بالهراوات.
بحسب ياسر الزبيدي أحد مزارعي القرية: «كل قطرة زيت بنعصرها، سال مقابلها قطرات دم». وتوارث أهالي القرية جيلًا بعد جيل مراسم موسم قطاف الزيتون، الذي بدأ هذا العام في 15 أكتوبر الجاري، من ترديد الأهازيج الشعبية، أو التكاتف الاجتماعي من خلال مشاركة أفراد العائلات في القطاف المعروفة شعبيًا باسم «العونة»، بحسب ما قال لـ«مدى مصر»، مُضيفًا أن آثار عنف المستوطنين امتدت منذ العام الماضي، وحتى موسم الزيتون الجاري.
سبق أن خسر الزبيدي مزرعته في «أبو فلاح»، والتي تحتوي على أشجار الزيتون، إضافة لمزرعة حيوانية، وذلك بعد هجوم للمستوطنين في أغسطس 2025، والذي أسفر عن حرق المزرعتين، بخسائر قدرها نحو 200 ألف شيكل.
يشن المستوطنون هجماتهم على مزارع الزيتون ليلًا، مستغلين حماية جيش الاحتلال. «في الليل يادوب الواحد حامي داره. بيجوا بحماية الجيش، بيتسللوا، بقصقصوا أشجار الزيتون. بيعرفوا إنه شجرة الزيتون بتعز علينا، مثل ابنه الواحد بيربيها، لأنها شجرة نموها بطيء، وبحاجة لعناية وشغل باستمرار»، يقول الزبيدي، مؤكدًا: «في مناطق بروحوا بيسرقوها».
وبينما يعجز الأهالي عن حماية ممتلكاتهم من هجمات المستوطنين المسلحين، شكلوا لجان حراسة شعبية تقتصر مهمتها على رصد الاعتداءات ومراقبتها وتوثيقها، بحسب الزبيدي.
ويشير الزبيدي إلى أن قائد المنطقة في الجيش الإسرائيلي أصدر قرارًا يمنع الإسرائيليين من التواجد في منطقتهم، لكن المستوطنين لا يلتزمون به. ويضيف أن الشرطة الإسرائيلية لا تتحرك حين يتقدم الأهالى ببلاغات عن الاعتداءات، يتحركون فقط لحماية المستوطنين. «ولما يتحركوا أكيد مش عشان يحمونا إحنا». يقول.
مدير وحدة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، قال إن الهيئة وثقت منذ مطلع الشهر الجاري ما مجموعه 482 اعتداء إسرائيلي مرتبط بموسم قطف الزيتون في الضفة، وفق ما أفاد لـ«مدى مصر»، مُوضحًا أن الاعتداءات على المزارعين والأشجار والمحاصيل والمعدات الزراعية، ضمّت الضرب والتخويف والترهيب وسرقة المحاصيل؛ وهي معطيات تكشف استهداف قدرة المزارع الفلسطيني على الوصول إلى أرضه والعمل فيها والانتفاع بمحصولها.
وتُظهر مقارنة اعتداءات المستوطنين خلال السنوات الماضية اتجاهًا متصاعدًا؛ إذ سُجل 136 اعتداءً خلال موسم 2022، و333 في موسم 2023، و407 في موسم 2024، فيما تجاوزت حصيلة موسم 2025 عدد 441 اعتداءً، أما حصيلة العام الحالي فما زالت تخص موسمًا جاريًا، بحسب داوود.
واتسعت المناطق الزراعية المقيدة بقرارات حظر الدخول الإسرائيلية، والتي يُمنع وصول الفلسطينيين لها دون الحصول على موافقة عسكرية مسبقة من جيش الاحتلال، وفق داوود، الذي أشار إلى الحظر الميداني في مواقع واسعة، بما يعرّض المحاصيل للتلف أو السرقة حين يتأخر تنسيق الموافقة أو تُختزل أيام القطاف.
وأصبحت السيطرة على الحقول والمراعي ومصادر المياه وسيلة لتغيير شروط الوجود الفلسطيني نفسه وتقليص مساحة عمله وتطوره، نتيجة توجه إسرائيلي تتداخل به أدوات متعددة، من إقامة بؤر استيطانية، وشق الطرق، ومنع الوصول، والعنف ضد المزارعين والرعاة، ثم تثبيت السيطرة على الأراضي التي أُبعد أصحابها عنها. «البؤرة، مهما صغر حجمها العمراني، تستطيع بالعنف والتحكم بالطرق والمراعي تعطيل استخدام مساحات واسعة حولها. ويتيح هذا النمط توسيع السيطرة الاستعمارية إلى ما يتجاوز حدود البناء القائم»، يقول داوود.
ويرى داوود أن الحرمان المتكرر من الأرض ومصادر الرزق يؤدي «وظيفة تهجيرية» واضحة، خصوصًا حين يترافق مع الاعتداء الجسدي والتهديد وتخريب الممتلكات، فموسم الزيتون يمثل دخلًا سنويًا وعلاقة عمل متواصلة بالأرض، وخسارته تُضعف قدرة الأسرة على تمويل احتياجاتها والعناية بأشجارها والاستمرار في الزراعة، وعندما يتكرر المنع وتتضرر الأشجار وتُسرق المعدات، تتراكم الخسائر ويتحول العمل الزراعي إلى مخاطرة تمس سلامة أفراد الأسرة وقدرتهم الاقتصادية على البقاء.
بخلاف حماية هجمات المستوطنين والبؤر الاستيطانية، تساهم إجراءات السلطات الإسرائيلية في ضرب الموسم الزراعي. ففي قرية عرابة، جنوبي غرب مدينة جنين، شمالي الضفة، يقف محمد أبو بكر على أنقاض مزرعته التي دمرتها آليات الاحتلال، تنفيذًا لقرار عسكري إسرائيلي، قضى بمصادرتها وتدمير نحو 27 دونمًا يملكها في المناطق المتاخمة لمدينة نابلس المجاورة، لدواعٍ أمنية بذريعة حجب الرؤية عن الطريق المحاذي للأرض.
قبل تدميرها في منتصف الشهر الماضي، احتوت الأراضي المُصادرة على خمسة مبان تضم وحدات سكنية وورش صناعية، وكانت تدر دخلًا على عائلة أبو بكر؛ إضافة لنحو 380 شجرة زيتون مثمرة يزيد عمرها على 80 سنة. وتلقى أبو بكر إخطارًا بمصادرة أرضه قبل نحو شهر من تدميرها وتجريفها، والذي وصله من السلطات الإسرائيلية عبر بلدية عرابة، التابعة لوزارة الحكم المحلي الفلسطينية، فيما لم يحتوِ الإخطار على اسمٍ لمالك الأرض ولا رقم لها، بل اكتفى بوضع خارطة تشير إلى موقعها.
تقدم أبو بكر عبر بلدية عرابة باعتراض لدى السلطات الإسرائيلية على قرارات اقتلاع أشجار الزيتون وهدم المباني، مستندًا إلى الأوراق الثبوتية لامتلاكه الأرض والمباني، إلا أن ذلك لم يعد بالنفع، بعدما «تُركنا وحدنا نجابه قرارات عسكرية» حسب وصفه لـ«مدى مصر»، مُضيفًا: «حتى الصحافة منعوها من الاقتراب. جئت وتكلمت معهم، تقدمت قليلًا وأصبح بيني وبين الجندي مشادات في الكلام، وبعد ذلك رفع علينا السلاح وأمرنا بالانصراف».
ووثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ما لا يقل عن 160 اعتداءً نفذها مستوطنون خلال موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية، في الأسبوعين الأولين من أكتوبر الجاري، مرجحًا أن تكون هذه الاعتداءات قد وقعت «في الغالب بحماية القوات الإسرائيلية أو بمشاركتها». كما تعرضت صحفية دولية لاعتداء أثناء تغطيتها موسم قطف الزيتون.
وقال المكتب الأممي إن المستوطنين استخدموا «الذخيرة الحية، وأضرموا النيران عمدًا، ودمروا أشجار وبساتين الزيتون، بما في ذلك أشجار معمرة، وألحقوا أضرارًا بممتلكات فلسطينية، وسرقوا محاصيل زيتون بعد قطافها ومعدات زراعية».
وفي هذا السياق، قال مدير المكتب، آجيت سونغاي، إن أشجار الزيتون تمثل «رمزًا لوجود الفلسطينيين الجماعي وارتباطهم بالأرض»، مضيفًا أن الاعتداءات على موسم القطاف «أداة أخرى من أدوات التهجير والسلب» في سياق الاعتداء المستمر على وجود الفلسطينيين وحقوقهم.
ودمرت السلطات الإسرائيلية والمستوطنون نحو 103 آلاف شجرة زيتون في الضفة منذ مطلع العام الجاري، وحتى بداية موسم قطف الزيتون، فضلًا عن «القطف التدميري للأشجار كتقطيع الأغصان وتكسيرها»، بحسب ممثل المزارعين الفلسطينيين في المكتب العربي للزيتون التابع لجامعة الدول العربية، فياض فياض، الذي قال إن الاعتداءات على أراضي المواطنين خلال الموسم الجاري، دفعت العديد من المزارعين للقطاف المبكر، ما يُمثل «كارثة اقتصادية»، لما في ذلك من تقليل للمعروض من المحاصيل ورفع أسعارها.
وبينما توقعت وزارة الزراعة الفلسطينية أن يصل إنتاج الموسم الحالي إلى نحو 21 ألف طن من زيت الزيتون، تؤكد معطيات مجلس الزيتون الفلسطيني أن هذه التقديرات لن تتحقق على أرض الواقع، في حين يبلغ الحد الأدنى للاحتياج الوطني المطلوب نحو 19 ألف طن، تتوزع بين 13 ألف طن للاستهلاك المحلي، وستة للتصدير، بحسب فياض.
ويأتي هذا العجز في ظل حرمان المزارعين من الوصول إلى قرابة 20% من مجمل الأراضي الزراعية كما كان الحال في الأعوام الثلاثة الماضية، حسبما أوضح فياض، لتتفاقم الخسائر هذا العام بفعل اتساع رقعة الأراضي الممنوعة عسكريًا، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، والاضطرار للقطاف المبكر.
وشدد فياض على أهمية تعزيز حملات «العونة» التكافلية المعنية بإسناد المزارعين، لمواجهة قرارات السلطات الإسرائيلية العسكرية، وعنف المستوطنين، الذين وصل بهم الأمر إلى «فتح معاصر خاصة لإنتاج الزيت من المحاصيل المسروقة، ثم بيعه على الشوارع بأسعار رخيصة لضرب الاقتصاد الفلسطيني»، فضلًا عن «سرقة الطقوس التراثية للموسم».
ولا يمكن فصل سياسة الهجوم على الأرض، لا سيما خلال موسم الزيتون، عن السياسة الإسرائيلية الشاملة تجاه الاستيطان، والتي يقودها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بهدف «حسم الصراع»، بحسب الباحث في السياسات الإسرائيلية عصمت منصور، الذي يتفق مع مدير وحدة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في الرؤية نحو «الوظيفة التهجيرية» للوجود الإسرائيلي في الضفة.
«موسم قطف الزيتون كان دائمًا طقسًا متعدد الأبعاد؛ فهو طقس ثقافي، ووطني، واجتماعي، ومالي، يعبر عن جوهر العلاقة المادية والوجدانية بالأرض والارتباط الوثيق بها»، يقول منصور لـ«مدى مصر»، فضلًا عن كون الموسم يشكل حالة تعبئة شعبية تعزز اللحمة الجمعية في مواجهة محاولات التفكيك، ولهذا السبب تحديدًا تضعه سلطات الاحتلال والمستوطنون ضمن دائرة الاستهداف والحرب المعلنة.
المخطط الأساس هو فصل الصلة بين الناس وأرضهم من خلال عدم تمكين الناس من الوصول إلى الأرض، ما يخلق فراغًا يملؤه الاحتلال ببؤر استيطانية ومزارع، بحسب منصور الذي يرى أن المستوطنين «يعززون وجودهم على حساب وجودنا، ويحاكون حتى وسائل وطرق عيشنا وتعاملنا مع الأرض ومع المراعي والبيئة»، في واحد من أهم عوامل خلق بيئة طاردة، من خلال إفقار الأهالي، مع غياب الأمان الشخصي، ما يفتح الباب ببطء لتهيئة الأرضية لـ«هجرة صامتة».
وتصدرت مدن جنين ونابلس ورام الله قائمة المدن الأكثر تعرضًا للاعتداءات الإسرائيلية، بينما يُقبل فلسطينيو الضفة على حصاد نحو 780 ألف دونم مزروعًا بالزيتون، بواقع تسعة ملايين شجرة مثمرة في هذا الموسم، وفق ما أفاد لـ«مدى مصر» منسق الحملة الوطنية لقطف الزيتون، سمير سمارة، وهي حملة تُدار للعام الثالث من وزارة الزراعة الفلسطينية وعدد من المؤسسات الأهلية والدولية، وتهدف لتوفير الحماية الممكنة للمزارعين والمزارعات، وتمكينهم من الوصول إلى أراضيهم وقطف أكبر مساحة ممكنة من محاصيل الزيتون.
وتعمل الحملة وفق خارطة أولويات ميدانية تستند إلى درجة الخطورة وصعوبة الوصول إلى الأراضي وتكرار الاعتداءات الإسرائيلية، مع التركيز على المناطق المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية، والأراضي الواقعة خلف الجدار، والمناطق التي تشهد صدامات، بحسب ما قال سمارة، مُؤكدًا اعتماد الحملة نهجًا لا مركزيًا في عملها، عبر تشكيل لجان محلية في كل قرية، لتتولى تحديد الأراضي الأكثر عرضة للخطر، وإعداد برامج قطف جماعية، وتوجيه المزارعين وأصحاب الأراضي والأهالي والمتطوعين إلى المشاركة المنظمة وفق برامج معدة من قبلها.
وتستند الحملة إلى فكرة «العونة» في جمع المتطوعين من الأهالي والمتضامنين الدوليين، بوصفها قيمة متجذرة في الثقافة الفلسطينية، تقوم على التكافل والتعاون وتقاسم الجهد، والتي اكتسبت بُعدًا وطنيًا في الآونة الأخيرة، بحسب سمارة؛ فهي لم تعد مجرد مساعدة في جني المحصول، بل شكلًا من أشكال الإسناد المجتمعي المنظم للمزارعين وتعزيز قدرتهم على الصمود في أراضيهم.
ووجّهت الحملة المزارعين والمتطوعين بضرورة تجنب الاحتكاك المباشر مع المستوطنين في حالات الاعتداء، فضلًا عن الابتعاد عن مصادر الخطر، والالتزام بتعليمات اللجان المحلية، وعدم المجازفة بالأرواح عند إغلاق الطرق أو منع الوصول إلى الأراضي.
الاحتلال يقتل 32 فلسطينيًا بينهم 11 طفلًا ويقصف الجامعة الإسلامية.. ويشرد 200 عائلة بعد حرق مخيم نزوحهم
أسفرت عمليات القصف والاستهداف التي نفذتها قوات الاحتلال في مختلف مناطق قطاع غزة، خلال الأسبوع الماضي، عن مقتل 32 فلسطينيًا، بينهم 11 طفلًا، فضلاً عن إصابة 147 آخرين، حسبما أفادت بيانات وزارتي الصحة والتربية والتعليم في غزة، في حين أحرقت قوات الاحتلال مخيمًا للنازحين قرب مفترق الشجاعية شرقي غزة، مما أدى إلى تشريد أكثر من 200 عائلة فلسطينية، وفقًا لبيان المكتب الإعلامي الحكومي.
وخلال أقل من أسبوع، في الفترة من 18 حتى 24 أكتوبر الجاري، قتلت قوات الاحتلال معلمًا وعشرة طلاب كلهم من الأطفال، من بينهم الطفلة فاطمة البيوك، الناجية الوحيدة من أسرتها التي أُبيدت بأكملها في قصف منزلهم أواخر عام 2023، حسبما ذكرت وزارة التربية والتعليم.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، قتل الاحتلال 351 طفلًا على الأقل، حسبما قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).
وبعد أن دمّر الاحتلال 95% من المؤسسات التعليمية والجامعات والمدارس، جدد، أمس، عدوانه على الجامعة الإسلامية غربي مدينة غزة، وقصف حرم الجامعة مرتين متتاليتين مما أسفر عن مقتل ثلاثة موظفين وإصابة عدد من الطلاب بينهم حالات خطيرة، حسبما ذكرت بيانات الوزارة والجامعة الإسلامية.
وقالت الجامعة، في بيان لها، إن العدوان الأول «أسفر عن إصابة عدد من الطلبة، من بينهم طالبة بحالة خطيرة»، قبل أن يجدد الاحتلال عدوانه مرة أخرى مستهدفًا «مجموعة من موظفي الجامعة بالقرب من البوابة، ما أدى إلى استشهاد سامي بارود، وأشرف دحلان، وشادي أبو عطايا، وإصابة عدد آخر».
وأعلنت الجامعة الإسلامية بغزة تعليق الدوام الإداري والأكاديمي ثلاثة أيام «حدادًا على أرواح الشهداء من موظفي الجامعة الذين ارتقوا بقصف إسرائيلي».
وأحرقت قوات الاحتلال، أمس، مخيمًا للنازحين قرب مفترق الشجاعية، وشردت أكثر من 200 عائلة فلسطينية مكونة من 800 نازح، حسبما قال المكتب الإعلامي الحكومي، الذي أضاف أن العملية تعد «جريمة حرب مركبة»، محملًا «الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة والمباشرة عن استمرار مسار الإبادة الجماعية واستهداف خيام ومراكز إيواء النازحين، حيث تُرتكب هذه الجرائم بغطاء سياسي وعسكري كامل، وفي ظل صمت دولي غير مبرر».
وطالب المكتب «المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، بالتدخل الفوري والعاجل والضغط الفاعل لوقف حرب الإبادة الجماعية ومسلسل الحرق والتدمير المستمر بحق المدنيين العزل».
واليوم، قُتل أربعة فلسطينيين، بينهم طفلة، في قصف وإطلاق نار إسرائيلي استهدف خيام النازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، إلى جانب إصابة عدد آخر، بينهم حالة حرجة، نتيجة استهداف مُسيّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين في حي الرمال غربي مدينة غزة، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفلسطينية «صفا».
ورفع عدوان الاحتلال المتواصل الحصيلة الإجمالية للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 74 ألفًا و555 قتيلًا، و175 ألفًا و727 مصابًا، من بينهم 1559 قتيلًا و5608 مصابين سقطوا منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، وفقًا لوزارة الصحة.
لليوم الرابع.. الاحتلال يفرض حصارًا شاملًا على الخليل ويهجّر 3171 فلسطينيًا من بيوتهم
لليوم الرابع على التوالي، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها الواسع على محافظة الخليل في الضفة الغربية، والذي بدأ الجمعة الماضي عقب عملية نفذها فلسطينيان عند مفرق «يهودا» في الخليل، جنوبي الضفة، أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل أن تعلن قوات الاحتلال قتل منفذي العملية.
ومنذ يوم الجمعة، هجّرت قوات الاحتلال 488 عائلة فلسطينية من منازلها وأجبرت نحو 3171 مواطنًا على مغادرة منازلهم قسرًا، خاصة في منطقتي «دير بحة والجلدة»، كما تحاصر مئات المواطنين داخل منازلهم في الأحياء القريبة وتمنعهم من الخروج منها، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».
وبحسب جيش الاحتلال، فإن القتيلين يخدمان في لواء الإنقاذ التابع للجيش، فيما أشادت فصائل المقاومة في بيانات مختلفة بـ«العملية البطولية»، إذ قالت حركة حماس إنها «تأتي في إطار الرد الطبيعي والمشروع على الجرائم المتواصلة والاعتداءات الغاشمة بحق أهلنا وأرضنا ومقدساتنا في الضفة الغربية والقدس المحتلة واستمرار العدوان على شعبنا في غزة».
ووجهت الحركة، في بيان لها، نداءً إلى «كل من يحمل السلاح من أحرار شعبنا وشبابنا الثائر لتوجيه الرصاص إلى صدور المحتلين وجنودهم ومستوطنيهم المجرمين الذين يواصلون ارتكاب أبشع الجرائم بحق شعبنا في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة».
بدورها، قالت حركة الجهاد الإسلامي إن «العملية البطولية والنوعية تمثل دعوة مفتوحة لكل أبناء الضفة، في المدن والقرى والمخيمات، إلى تصعيد كل أشكال المقاومة في وجه إجرام الجنود والمستوطنين الذين يزرعون الرعب والإرهاب في كل أنحاء الضفة، والرد على كل مشاريع التهجير والضم والإرهاب الصهيوني النازي».
وعقب العملية، هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الجمعة، بشن عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية، وصفها بأنها غير مسبوقة منذ حرب عام 1967، وتشمل تهجير فلسطينيين من أحيائهم ومداهمة منازلهم وهدمها، حسبما نقل موقع صحيفة «القدس العربي».
وقال نتنياهو: «لقد استعرضت مع وزير الدفاع عملية واسعة النطاق للغاية للجيش الإسرائيلي في يهودا والسامرة، لم يُشهد لها مثيل منذ حرب الأيام الستة»، مضيفًا: «سنقوم هنا بما لم نفعله من قبل؛ سنطبق النموذج الهجومي الناجح الذي نفذناه في مخيمات اللاجئين لتدمير البنية التحتية للإرهاب، وفي المقابل سنعمل على بناء البنية التحتية الاستيطانية».
وفرضت قوات الاحتلال حصارًا شاملًا على مدينة الخليل، ونفذت اقتحامات واسعة، وأجبرت سكانًا على إخلاء منازلهم دون مقتنياتهم، وفقًا لـ«القدس العربي».
كما نفذت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة في الخليل طالت أكثر من 70 فلسطينيًا، تخللها إجراء تحقيقات ميدانية قاسية مع الأهالي، حسبما نقل موقع «جريدة القدس».
نشرة «في فلسطين» البريدية من «مدى مصر»، تصلكم أسبوعيًا، وفيها آخر مستجدات العدوان على غزة وتبعاته على فلسطين والمنطقة. سجل هنا.
The post عدوان الاحتلال على زيتون فلسطين.. حرب على الهوية والصمود first appeared on Mada Masr.

